فؤاد سزگين

14

تاريخ التراث العربي

مدرستين معزولتين هكذا في العالم الإسلامي خلال القرن الثالث / التاسع وحتى القرن السابع / الثالث عشر ، أو بعبارة أخرى كيف يمكن أن ينسجم هذا الافتراض مع واقع التاريخ ؟ هذا ولا يمكن هنا سرد آراء روسكا جميعها المتعلقة بنشأة ومصادر الكيمياء العربية ، التي لا تؤدي إلى أي وضوح . وإنّ آراءه وآراء مؤرخي الكيمياء العربية المشابهة - المتعلقة بموضوع المصادر والنشأة - قد فقدت أهميتها إلى حد كبير بعد ما ظهرت دراسات بأول كراوس ونشرت عام 1942 - 1943 م . ولقد بقيت دراسات كراوس ، على الرغم من بعض الانتقادات الموجهة لها محتفظة بالموقع الرئيسي الحاسم في هذا المجال حتى يومنا هذا . صحيح أن دراسات كراوس تتناول مؤلفات تحمل اسم كيميائي واحد لا غير ، هو جابر بن حيان ، إلا أنها تكاد تكون تاريخا أساسيّا للكيمياء العربية ، ذلك أن هذا الكيميائي قد طبع هذا الفرع من العلوم بطابعه الخاص إلى حد بعيد من جهة ، وأنه من الممكن ، بلا شك ، اعتبار دراسات كراوس أجدى وأغنى وأشمل دراسة في هذا المجال . ولقد حشد المؤلف مواد وفيرة في شرح الموضوع المتعلق بمصادر ونشأة الكيمياء العربية ، بيد أنه لم يقترب - في اعتقادي - من حل هاتين المسألتين ، وذلك مذ بدأ يشكّك في دراسته الأولى ، عام 1930 م ، في صحة المجموع « مجموع كتب جابر » ومذ شرع كذلك في النظر إلى الموضوع على أنه نتاج إسماعيليّ أو نتاج مدرسة زمن متأخر يمتد من عام 250 ه إلى عام 350 ه . وحصل هذا في وقت كان التفكير فيه قد بدأ لتوه يتغير - اعتمادا على الاقتناع بصحة المجموع - في مجال تقويم المصادر والاستنتاجات الخاصة ببدايات الكيمياء العربية ، وعلاوة على ذلك حتى في مجال تحديد بدايات الفروع الأخرى للعلوم العربية أيضا وترجمة الكتب الأجنبية إلى العربية ( انظر ص 247 وما يليها ) . ولقد تحددت دراسة كراوس لجابر من خلال ثلاث وجهات نظر : 1 - لا ينبغي البحث عن بدايات العلوم في البلدان العربية الإسلامية قبل زمن حدّد بحوالي عام 150 ه .